الاثنين، مايو ٢٥، ٢٠٢٠

7-11-2009لماذا يقاومون مشروع الدولة الواحدة؟



لماذا يقاومون مشروع الدولة الواحدة؟
                                                                 بقلم/ سمير الأمير
أظن- وإن كان بعض الظن إثم- أن النظام الرسمى العربى والكيان الصهيونى يتفقان على مقاومة أى طرح جديد وجدى لمشروع الدولة العلمانية الديموقراطية الواحدة فى فلسطين، بل أن مشروع " إسراطين" كما جاء على لسان الأخ العقيد لم يكن سوى إعادة إنتاج للأمر بصورة ساخرة لا تؤدى فى تقديرى سوى للنفور منه ومن الاسم العجيب( إسراطين) الذى أطلق عليه، ولا يعنى ما أقوله أن هناك تنسيق رسمى بين بعض النظم العربية وإسرائيل من أجل استبعاد هذا الخيار الذى كان يلقى ترحيبا فى العقود التى سبقت اتفاقيات السلام الأخيرة ولكنه بالأحرى اتفاق صنعته صدفة بحث كلا الطرفين عن سبل إطالة أمد وجود كيانات سياسية هشة ذات محتوى يخالف طبيعة التقدم المضطرد فى النظم السياسية البشرية ويخاصم كل تاريخ كفاح الإنسان من أجل العدل والحرية، ورغم كونى من أنصار نظرية " المؤامرة" التى أراها ضرورة حتمية من ضرورات الصراع بين الجماعات البشرية،  إلا أنى أكرر أن افتراض وجود تفاهمات بين إسرائيل والنظام العربى الرسمى هو افتراض غير علمى واتهام يفتقر إلى الدليل المادى المباشر كما أوضحت فى البداية، ولكنى من جانب آخر مقتنع تماما بأن مصالح إطالة أمد الكيان الصهيونى وكذا إطالة أمد النظام العربى الرسمى -وهى صدفة عجيبة!- تستلزم استبعاد خيار الدولة الواحدة الذى شكل لعقود طويلة حلم الباحثين عن قيم العدل والحرية والتقدم وهى القيم التى تأسس عليها ما يعرف " بالمجتمع الأوربى" European Community الذى لا يفرق بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين،
  بالنسبة لدولة الكيان الصهيونى شكل احتمال حل الدولة الواحدة كابوسا ينبغى الخروج منه من أجل الحفاظ على الطبيعة اليهودية للدولة، ألا تتذكرون ما قاله ذات مرة " ياسر عرفات" وهو تحت الحصار بمبنى المقاطعة فى "رام الله" حين صرخ مهددا إسرائيل بالعودة " لخيار الدولة الواحدة " إن هى استمرت فى حصارها له؟ ، لقد كان عرفات رجلا سياسيا محنكا يعرف كيف يضرب العدو على المواضع التى تؤلمه ولكنه رحمه الله كان يريد أن يكون جزءا من النظام العربى الرسمى من أجل مصالح القبول أو من أجل النجاة فى محيط لم يعد يتقبل وجود حركة تحرر وطنى قد تهدد ليس فقط دولة إسرائيل ولكن كل الكيانات الأخرى المعاندة لحركة التاريخ وهى كيانات لا يخفى على أحد أن معظمها عاش على قضية الشعب الفلسطينى ورفض أن تعيش عليه نفس القضية،
  ولعل إصرار إسرائيل على اعتراف العرب والعالم بيهودية دولتهم هو محاولة للحصول على " لقاح غير طبيعى " استباقا لحركة التاريخ التى تعاندها الدولة الصهيونية و ما بناء الجدار العازل إلا أحد تجليات هاجس الفناء أو خطر التحول إلا بشر عاديين كبقية خلق الله، وقد شكل سقوط نظام " الأبرثيد" بجنوب أفريقيا رعباً جعل الكيان الصهيونى يسرع بتوقيع اتفاقات مع منظمة التحرير ولم تكن تلك الاتفاقات- فى ظنى الآثم وعقلى المسكون بهاجس المؤامرة- سوى أحد وسائل فرض الماضى على المستقبل، أما لماذا رعت النظم العربية تلك الاتفاقيات؟ فلأنها ببساطة شديدة تجد فى دولة فلسطين الديموقراطية العلمانية الواحدة تهديدا مباشرا لوجودها المبنى على القهر والغلبة وتزوير إرادة الجماهير وتجد فيها نموذجا سيكون قابلا للتكرار فى مناطق أخرى من العالم العربى مما يعنى رحيل تلك النظم إلى غير رجعة باعتبار أنها هى أيضا نظم من الماضى السحيق، بل بعضها قد انقرض تماما فى معظم بقاع الأرض وقلما تجد لها أشباها سوى فى أفريقيا والعالم العربى وإن كان الإنصاف يدعونا أن نعترف أن بعض دول أفريقيا تشهد حراكا فى اتجاه حقوق الإنسان يفوق ما يشهده العالم العربى،
أظن أنه يتبقى إشكالية محيرة وهى لماذا لا تدعم أوربا وأمريكا حل الدولة العلمانية الديموقراطية الواحدة؟  أليس فى ذلك نهاية للإرهاب والتعصب الذى تتهمنا به أوربا وأمريكا؟ ألا يشكل ذلك حلا لمشاكل الأقليات فى المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى المملكة المغربية؟ ألا يدعون أن همجيتنا وتعصبنا يهددان وجودهم وحضارتهم؟ فلماذا لا يدعمون ما يمكن أن يساعد على تحضرنا؟ الحقيقة أن هناك أساتذة ومفكرين قد أجابوا على هذه الأسئلة من قبل وأوضحوا أن تحضرنا هو الذى يشكل خطرا على مركزية الحضارة الأوربية التى تأسست على استغلال المستعمرات وبنت مجدها ورفاهية شعوبها على دعم تخلفنا الذى هو شرط من شروط تفوقهم واستعلائهم وهذا هو سبب وقوفهم إلى جانب نظم الحكم القبلية وتأييدهم للديكتاتوريات العائلية فى المنطقة العربية والإسلامية، ودولة إسرائيل هى حارسة هذا التخلف وهى بطبيعتها الصهيونية/ العنصرية محفزة لكل ألوان العداء والكراهية التى ينبغى أن تسود فى المنطقة حتى تتحلل إلى مكوناتها الطائفية والإثنية الأولى لتصبح إسرائيل هى الدولة الأم التى تطارد فلول البرابرة والهنود الحمر الجدد، من هنا ليس من قبيل الموضوعية أن نتعامى عن حقيقة أن حكومات العالم الغربى تنظر إلى الشعوب فى الشرق بطريقة تنطوى على تعصب واستعلاء، ومن ثم وجب علينا أن ندرك أن التناقض فى مواقفنا كدعاة للحرية لا يرجع فقط لتعصبنا وللثقافة المتخلفة التى تكرس لحكم الغلبة وللغة القمع ولكن علينا أن ندرك أن تسليمنا بمركزية حضارتهم وتفوقهم هو الذى يطيل أمد هذا الشعور الدونى بالضعف، ويجب علينا أن نعى أن نفاق الغرب للأقليات لا يهدف إلى الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطنة كما يدعى، لأن هذا الدعم غير المحدود لدولة الكيان الصهيونى بصورتها الحالية يثبت أنهم سعداء تماما بتلك الحالة التى يدعون أنها تقلقهم، لأنهم لو كانوا صادقين لدعموا حل الدولة الواحدة فى فلسطين، لكى تشكل نموذجا Model لحل كل مشاكل الأقليات التى يتباكون عليها فى المنطقة. ولعلى لا أبالغ إن قلت أن دولة فلسطين العلمانية الديموقراطية الواحدة حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون واليهود كمواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، لعلى لا أبالغ إن قلت أن تلك الدولة ستكون مفتاح التقدم فى تلك المنطقة، أما مشروع الدولتين فهو تكريس للعنصرية وإقرار ضمنى بيهودية الدولة ناهيك عن كونه يقضى من الناحية العملية على حق العودة بل و يمكن اعتباره إذكاء للصراع وليس حلا له، ومن ثم جعل هذا الصراع سمة عامة فى المنطقة حتى لا تصبح إسرائيل استثناءا وأظن أن ما يحدث فى العراق ولبنان والصومال والمغرب والجزائر من صراعات مذهبية وطائفية وإثنية هو دليل على ما أذهب إليه وليس كل الظن إثم.

ليست هناك تعليقات: